أعلنت الأكاديمية السويدية، اليوم الخميس، فوز الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (Anne Carson) بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، تقديراً لمنجزها الأدبي الجريء والمبتكر، الذي استطاع، عبر حوار متجدد مع التراث الكلاسيكي، ابتكار أشكال جديدة للأدب المعاصر.

وتُعد كارسون، المولودة في تورونتو عام 1950، واحدة من أبرز الأصوات الشعرية المعاصرة التي تجاوزت الحدود التقليدية بين الشعر والنثر والفلسفة والترجمة. فقد شيدت مشروعاً أدبياً يستند إلى المعرفة العميقة بالثقافة اليونانية القديمة، من دون أن يتحول التراث في كتابتها إلى مادة جامدة، بل إلى فضاء مفتوح لإعادة التفكير في الحب والرغبة والفقد والذاكرة والهوية الإنسانية.

ومن أبرز أعمالها «إيروس، الحلو والمر» (Eros the Bittersweet)، الصادر عام 1986، و«سيرة ذاتية للأحمر» (Autobiography of Red) عام 1998، و«جمال الزوج» (The Beauty of the Husband) عام 2001، فضلاً عن «نوكس» (Nox) عام 2010، الذي يتخذ من رثاء شقيقها مدخلاً إلى تجربة تجمع الشعر والترجمة والصورة والوثيقة الشخصية.

 

شاعرة تقرأ الأسطورة بعيون معاصرة

في مقال بعنوان «عبث الإلهام» (The Muse Makes Mischief)، نشرته مجلة The New York Review of Books في 6 يونيو 2013، كتب الشاعر والناقد الأمريكي دان كياسون (Dan Chiasson)، في قراءته لكتاب «Red Doc»، أن إنجاز كارسون تمثّل في «نقل أسطورة يونانية مغمورة إلى لغة المراهقة المعاصرة».

وتوقف كياسون عند قدرة الشاعرة على تحويل الحكاية الأسطورية القديمة إلى تجربة إنسانية حديثة، تتداخل فيها أسئلة الاختلاف والهوية والعاطفة، معتبراً أن علاقتها بالنصوص الكلاسيكية تقوم على إعادة تخيلها، لا الاكتفاء باستعادتها.

أما الكاتبة والناقدة أمبر سباركس (Amber Sparks)، فقد افتتحت مراجعتها لكتاب كارسون «Wrong Norma»، المنشورة في مجلة The Brooklyn Rail في فبراير 2024، بملاحظة لافتة قالت فيها: «كل كاتب واقعٌ قليلاً في حب آن كارسون، وخائف منها قليلاً».

ورأت سباركس أن خصوصية كارسون تنبع من الحرية الاستثنائية التي تمنحها لنفسها في الكتابة، إذ تتنقل بين الأسطورة والفلسفة والتاريخ والتجربة الشخصية، من دون الخضوع للتصنيفات الأدبية المألوفة. كما أشارت إلى قدرتها على الجمع بين الكثافة الفكرية والمشاعر الإنسانية، ولا سيما الحزن والفقد.

وفي صحيفة الغارديان البريطانية، كتبت الناقدة كيت كيلاواي (Kate Kellaway)، في 26 فبراير 2024، مراجعة للمجموعة نفسها بعنوان «Wrong Norma: التفكير المفكك في أفضل تجلياته»، رأت فيها أن بنية الكتاب المتشظية تعكس طبيعة التفكير الإنساني غير المتصل، وأن كارسون تكشف عن صعوبة التعبير الدقيق عما نريد قوله بالكلمات. وأضافت أن «ورقة كارسون الرابحة هي أنها تتمتع بروح الدعابة»، في إشارة إلى حضور السخرية والمرح داخل كتابتها الفكرية المعقدة.

ولا تنفصل هذه القراءات عن تصور كارسون نفسها للشعر. ففي حوار أجراه معها الكاتب ويل أيتكن (Will Aitken)، ونشرته مجلة The Paris Review في خريف 2004، تحدثت عن محاولتها الإمساك بالتجربة الإنسانية عبر اللغة، موضحة أنها تستطيع تسجيل الوقائع الحسية والعاطفية وصوغ ما يبدو عليه الإحساس بالحياة، لكنها تظل منشغلة بالسؤال الأصعب: كيف يمكن فهم ذلك الإحساس؟

وقد حظي منجز كارسون باعتراف أدبي دولي قبل نوبل، إذ نالت جائزة أميرة أستورياس للآداب عام 2020، ثم جائزة زبيغنيو هربرت الأدبية الدولية عام 2025.

ويأتي فوز آن كارسون بنوبل للآداب تتويجاً لمسار شعري وفكري جعل من الكتابة تجربة مستمرة في مساءلة الأشكال والمعاني، ومن التراث الكلاسيكي مادة حية لإنتاج أدب ينتمي إلى الحاضر، من دون أن يفقد صلته بالأسئلة الإنسانية القديمة.