غيّب الموت الشاعر والكاتب الصحافي السوري تمام هنيدي في مدينة مالمو السويدية، يوم الخميس 6 أغسطس 2026، بعد معاناة طويلة مع السرطان. وبرحيله تفقد القصيدة السورية صوتاً كتب تجربة الثورة والمنفى من داخل تفاصيلها الإنسانية، بعيداً من الخطابة، ومقيماً في المنطقة الشائكة بين الذاكرة والخوف والبحث عن بيت.

وُلد هنيدي عام 1984 في محافظة السويداء، ونشأ في قرية صمّا، قبل أن ينتقل إلى دمشق لدراسة الإعلام في جامعتها. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انخرط في الحراك المعارض وتعرّض للاعتقال، ثم غادر سورية في صيف 2012 ليستقر لاحقاً في السويد. إلى جانب الشعر، عمل في الصحافة ونشر نصوصاً ومقالات في منابر عربية، وتُرجمت قصائده إلى الإنكليزية والسويدية والإيطالية والهولندية.

أصدر تمام هنيدي ثلاثة دواوين شعرية هي: «وشوم الضباب» عام 2014، و«كما لو أني نجوت» عام 2016، ثم «يجدر بك أن تتبخر» عن دار ممدوح عدوان. وفي عام 2022 صدرت له مختارات عربية–إنكليزية بعنوان «وجهي الذي ترون، أو وجهي الذي أرى»، بترجمة كاثرين كوبهام وصور الفوتوغرافية الإيرانية نيوشا توكليان.

وهذا هو أحدث إصدار شعري يمكن توثيقه في المصادر المفتوحة التي راجعناها، لكنه مختارات من شعره، لا ديوان جديد بالكامل. أما آخر مشروع كان يعمل عليه، فكان ديواناً يتناول فكرة البيت من زوايا متعددة، لكنه لم يكتمل ولم ير النور.
 

شهادات في تجربته

في تقرير نشرته «العربي الجديد» بعد رحيله، قال الكاتب والباحث عدي الزعبي إن مجموعتي هنيدي الأخيرتين تكشفان ملامح مهمة من أدب الثورة السورية، من دون أن يتحول شعره إلى بروباغندا أو كتابة رثائية مباشرة. وأشار الزعبي إلى أن هنيدي كان، حتى في سنوات مرضه وتنقله بين بيوت المنفى، يشتغل بهدوء على مشروع ديوان عن البيت، وكان متحمساً لأن يفتح له هذا المشروع مساحة أوسع للتأمل، بعيداً من حصر الكتابة في موضوعة الثورة وحدها.

وفي التقرير نفسه، قال الشاعر والصحافي علي سفر إن هنيدي ينتمي إلى جيل لم يقبل القمع والاستبداد قدراً لا يُمس، ورأى أن نصوصه تعبر بين اليومي والرؤيوي، وتتجه إلى الوضوح من دون أن تكتفي بنقل الواقع كما هو. وبحسب سفر، كان هذا الوضوح جزءاً من مشهد شعري ينتصر للذات في سعيها إلى التحرر من القيود، بما فيها المنفى.

أما صحيفة «القدس العربي»، ففي قراءة نشرتها عام 2019 عن ديوانه «يجدر بك أن تتبخر»، فرأت أن تجربته كانت تتفتح وسط الثورة والتغريبة، وأنه انشغل منذ بداياته بالعدالة والحرية، وبفكرة النجاة التي تتحول في شعره من قدر مفروض إلى اختيار ثقافي. ولفتت الصحيفة إلى قدرة هنيدي على التقاط التفاصيل الصغيرة في تجربة اللجوء، بدلاً من الاكتفاء بالصورة العامة للمأساة.
 

وقال هو عن نفسه

وفي نص شخصي أعادت صحيفة «المدن» نشره بعد وفاته، كتب هنيدي: «أكتب الشعر لأنه نظير الأسى، توأم الضعف والوهن، ولا أحب الأقوياء». وهي عبارة تلخص جانباً من صوته: شعر لا يتباهى بالقوة، بل يمنح الهشاشة حقها في الكلام.

وفي حوار سابق مع منصة «الترا صوت»، نقلت «الترا سوريا» عنه قوله: «كان حظي طيباً أنني ولدت لعائلة قريبة من الكتاب». وتحدث في المقابلة عن أثر مكتبة البيت في تعرّفه المبكر إلى كلاسيكيات الأدب العربي والعالمي، قبل أن يبدأ بحثه الشخصي عن الكتب والأفكار التي لم تكن حاضرة فيها.

ومن شعره، تظهر تلك اللغة التي تحوّل المنفى إلى صورة ملموسة، لا إلى فكرة مجردة:

«نحارب بذاكرتنا
بما تركناه خلفنا».

وفي مقطع آخر، يضع حلم الفقراء في تفصيل شديد البساطة:

«كان حلمهم… عروسة زعتر،
يدسونها في حقائب أبنائهم المدرسية كل صباح».

كما يقول في المختارات الصادرة عام 2022:

«اكتب عنك
حين صرت في غرفة معتمة».
 

في «أضواء المدينة للشعر ودراساته وترجمته»، نحزن على رحيل تمام هنيدي وهو في ذروة عطائه، وعلى المشروع الشعري الذي ظل مفتوحاً أمامه. بقيت قصيدته قريبة من الإنسان الذي فقد مكانه، ومن الذاكرة التي لا تتخلى عن أصحابها، ومن البيت الذي يظل حاضراً حتى حين لا يعود موجوداً.
 

بُنيت هذه المادة بالاستناد إلى مصادر مفتوحة متاحة، تذكيراً برحيل الشاعر السوري تمام هنيدي وبشهادات من كتبوا عن تجربته بعد غيابه.